عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

464

اللباب في علوم الكتاب

وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - مرّ بالمقام ، ومعه عمر - رضي اللّه عنه - فقال : يا رسول اللّه لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ، فلم تغب الشمس من فوقهم حتى نزلت الآية « 1 » ، وقال تعالى : « وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى » . وليس للصلاة تعلق بالحرم ، ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع ، فيكون مقام إبراهيم هو هذا ، ولو سأل سائل أهل « مكّة » عن مقام إبراهيم لم يجبه أحد ، ولم يفهم منه إلا هذا الموضع لما روي أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطّين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وذلك من أظهر الدلائل على وحدانية اللّه - تعالى - ومعجزة إبراهيم عليه السلام ، فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره ، وثبت في الأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ، ولم يثبت قيامه على غيره ، فحمل هذا اللفظ ، أعني : مقام إبراهيم - عليه السلام - على الحجر يكون أولى . قال القفّال : ومن فسر « 2 » « مقام إبراهيم » بالحجر خرج قوله تعالى : « وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى » على مجاز قول الرجل : اتخذت من فلان صديقا ، وقد أعطاني اللّه من فلان أخا صالحا ، وإنما تدخل « من » لبيان المتخذ الموصوف ، ويميزه في ذلك المعنى من غيره . فصل في تحرير معنى المصلّى اختلفوا في « المصلّى » . فقال مجاهد رحمه اللّه تعالى : « هو الدعاء » ، قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ الأحزاب : 56 ] وإنما ذهب إلى هذا التأويل ليتم له قوله : إن الحرم كله مقام إبراهيم . وقال الحسن رضي اللّه عنه : أراد به قبلة إبراهيم . وقال قتادة والسّدي : أمروا أن يصلوا عنده ، وهذا القول أولى ؛ لأن لفظ « الصّلاة » إذا أطلق يعقل منه الصّلاة الشّرعية وقال عليه الصلاة والسلام لأسامة بن زيد المصلى أمامك يعني به موضع الصلاة . وصلّى النبي صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم عنده بعد تلاوة الآية . وهاهنا بحثان وهو أن ركعتي الطواف هل هي فرض أو سنة فإن كان الطواف فرضا فعن الشافعي رحمه اللّه قولان : أحدهما : أنهما فرض ؛ لهذه الآية ، فإن الأمر للوجوب . والثاني : أنهما سنة ؛ لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم للأعرابي حين سأله هل عليّ غيرها ؟ قال لا إلّا أن تطوع ، وإن كان الطواف سنة فهما سنة .

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري : ( 3 / 32 ) . ( 2 ) في أ : حمل .